محمد محمد أبو ليلة

69

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) ( الزخرف : 4 ) ، والتي تشير هي الأخرى إلى الكتاب الأم والإمام الذي أخذ منه جبريل عليه السلام ، ونزل به على النبي صلى اللّه عليه وسلم على التراخي كما ذكرنا من قبل . ونأتى الآن إلى قول اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ( آل عمران : 7 ) هذه الآية قد أصابت المستشرق بشجّى في حلقه ، واعترضت مجرى نفسه ؛ إذ أنه لم يفهم عبارة " أم الكتاب " هنا ، و " أم الكتاب " في الآيات الأخرى ؛ ومن ثم فقد وهم وخلط في توجيه العبارة . ولتوضيح هذه المسألة نقول إن " أم الكتاب " في قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) تعنى أصل القرآن الذي جاء المقروء على منواله ، وانتسخ منه الكتاب المجيد ؛ أما العبارة الواردة في سورة ( آل عمران : 7 ) : هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ فتنص على أن من القرآن محكم ومتشابه ، وأن الآيات المحكمة - يعنى الواضحة الثابتة المفهوم والحكم - إنما هي الأصل ، أو الأم التي يرجع إليها عند الاختلاف ، ويرد إليها النص عند الالتباس ، كما يقال " مكة أم القرى " ؛ وذلك لما روى " أن الدنيا دحيت من تحتها " و " أم الرأس لمجتمع الشعر " ، إذ هو أحظر مكان ؛ و " المجرة " يقال لها " أم النجوم " . قال الخليل بن أحمد : " وكل شئ يضم إليه سائر ما يليه ، يسمى أمّا " ، و " الفاتحة " " أم الكتاب وأم القرآن " لاشتمالها على أصوله ؛ وكل آيات المحكم هن أم القرآن ؛ أراد اللّه تعالى أن يقول للمشككين في وحيه ، أن محكم هذا الكتاب ، وواضحه ، هو الأصل ، وهو المعيار ؛ وأن آيات المحكم هي الأكثر ، وأن المتشابه الذي يحتمل التأويل ، وقد يثير الاختلاف ، هو الأقل ؛ والقرآن الكريم ، وهو الكتاب المقروء ، كهذا الكون المنظور ، فيه الثابت المحكم ، والمتغير المتقن ؛ محكم القرآن ليس فيه فتور أو خلل ، ومتشابهه ليس فيه عوج أو زلل ، المحكم يثبّت القلب ، والمتشابه يثير العقل ، ويستحثه على النظر ، وإعمال الفكر ، فيقوى الإيمان كما تقوى به الأذهان ، وتنتج العلوم ، وتجول الخواطر ، وتصول القرائح ، وبذلك يجد أهل التسليم في القرآن متمناهم وقراهم ( غذاءهم ) ، كما يجد المتفلسفة والمتأملة مبتغاهم ومرقاهم . أما عبارة " أمّ الكتاب " الواردة في قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) ( الرعد : 39 ) ، فهي خاصة بديوان الخلق والتقدير ، والحكم والتدبير ، والقضاء والقدر ؛ ف " أم الكتاب " تعنى أم المكتوب في سابق علم اللّه تعالى وأصل تقديره .